نخبة من الأكاديميين

101

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

( 8 ) ما بعد الحروب الصليبية حين أدرك الأوروبيون أن المشروع الصليبي في طريقه إلى الفشل والنهاية ، أدركوا أن الدعاوة ليست وسيلة مناسبة لمعرفة « الآخر » في نهاية الأمر لأنها جعلتهم يحاكون صورة خيالية كانوا هم الذين اختلقوها وروجوا لها . إلا أنهم أرادوا البحث عن « الحقيقة » . ويرى سوذرن Southern أنه لا يجب أن تعترينا الدهشة عندما نعرف أن أولى المحاولات الدقيقة لمعرفة الإسلام في الغرب تمت على أيدي رجال ممن أسهموا بقدر كبير في الكتابات الخيالية التي انتشرت في أوروبا آنذاك عن الإسلام والمسلمين ؛ ومنهم وليم مالمسبوري ( William Malmesbury 1080 - 1143 ) الذي كان أول من ميَّز بشكل واضح بين خرافات السلف وعبادة الأصنام التي كانوا يمارسونها ، وبين الديانة الإسلامية التوحيدية ؛ على الرغم من أنه كان مولعًا بالحديث عن المعجزات والسحر في مؤلفاته . فقد كان يسبح ضد التيار وهو يؤكد أن الإسلام يعتبر محمدًا " ص " نبيًا من أنبياء الله وليس إلهًا للمسلمين . ولكن تلك المؤشرات الواعدة نحو محاولة الفهم الأوروبي للإسلام والمسلمين ، لم تلبث أن توارت خلف ضباب أنباء سقوط عكا في أيدي المسلمين بقيادة السلطان الأشرف خليل بن قلاون سنة 1291 م . معلنة بذلك نهاية المشروع الصليبي في دار الإسلام وفشل أوروبا في صيانة ذلك الكيان الاستيطاني . فقد بدأ الكتاب الأوروبيون عودة سريعة إلى روح العداء والشك وكراهية الأجانب . فقد كتب " ريموند لول " Roymund Lull موضحًا أن الآمال التي لاحت في العقود السابقة قد تلاشت ، وذكر أنه في حال عودة النساطرة المنشقين إلى حظيرة الكاثوليكية ، واعتناق التتار المسيحية يمكن « تدمير » المسلمين جميعًا في سهولة ، إلا أنه أبدى مخاوفه من أن يعتنق التتار الإسلام . . . لأنهم لو فعلوا ذلك . . . فسوف يكون العالم المسيحي عرضة لخطر شديد . ولكن ما لم يكن يعرفه " لول " أن أسوأ مخاوفه كانت قد صارت حقيقة . فقد اعتنق " قازان " ، زعيم التتار في فارس ، الدين الإسلامي . وعندما اعتلى العرش سنة 694 ه - / 1295 م كان أول مرسوم أصدره ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة ، وأن الشريعة الإسلامية أساس نظام الدولة . وهكذا خسرت الكاثوليكية رهانها في السباق مع الإسلام من أجل احتواء التتار ، وصار التتار قوة إضافية إلى قوى العالم المسلم في آسيا . وعلى الرغم من أن المشروع الصليبي على الأرض العربية قد فشل بسقوط عكا سنة 1291 م ؛ فإن إعادة الاستيلاء على المنطقة ظلت سرابًا يجذب الأوروبيين تجاهه كل حين . وتجلت هذه الحقيقة في تلك المشروعات والخطط الكثيرة التي قدمها أصحابها من السفراء والمغامرين ورجال الكنيسة الكاثوليكية إلى أصحاب القرار من الكنسيين والعلمانيين في أوروبا الغربية ، وفي تلك الرحلات الكثيرة